المقدمة
الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على نبينا محمد صلى الله عليه و سلم قدوة المسلمين و رحمة الله للعالمين.
و بعد؛
فهذه مقالات بحثية أكتبها على حلقات عن صناعة البرمجيات و دورها في النهضة المادية لأمة الإسلام ، أرصد فيها جانبا من الواقع و حقائقه و أرقامه و ألقي الضوء على جوانب القوة و الضعف و تحليل الفرص و المخاطر ، ثم أرسم تصورا للدورالطليعي المنشود لهذه الصناعة؛ مداخله و آلياته.
لكن في الحقيقة لدي أمران رَغِبتُ في توضيحهما في المقدمة قبل الخوض في غمار البحث؛ و هما :
الأول
أن أخصص العنوان الذي جاء عاما بأن أوضح أن النهضة التي أعنيها في مقالاتي هذه إنما هي النهضة الحضارية المادية للأمة و التي هي جزء لا يتجزأ من النهضة المدنية [1] الشاملة، مع إطّراح الخلاف التنظيري في كون النهضة المادية سببا للنهضة الشاملة أم نتيجة لها.
أما المقصود بالنهضة المدنية الشاملة فهي النهضة الإيمانية الأخلاقية الروحية بالأساس (إنما بعثت لأتمم الأخلاق) الحديث- و التي لا تغفل الجوانب المادية و تكفل للإنسان التوازن الفطري الوسطي بين العمل لآخرته و عدم نسيان نصيبه من الدنيا ، و تُؤسس لخلافة الله في الأرض و تُهيء السبل لإعلاء كلمة الله في ربوعها، و هذه لا قبل لمثلي بالحديث عنها و قد سوّد في التنظير لها الكثير من علماء الأمة و مفكريها و دعاتها الصحائف ؛ و إن كنت أُدِينُ الله عز و جل أن السبيل إليها يكون في العودة إلى دين الله في الجملة، و العيش على مراده ، و الإشتغال ببناء الإنسان الذي أرسل الله له الرسل و خلق لأجله الموت و الحياة و سخر له الأرض و ما عليها و استخلفه فيها ليبلو الناس أيهم أحسن عملا.
ثم بعد تخصيص العام حري أن نوضح أن النهضة المادية (الجزئية) – و هي المعنية في هذا البحث- نحن مُتَعَبّدُون بالسعي في تحقيقها؛ إذ لا كفاية لهذه الأمة و لا دفع و لا مَنَعة و لا بلاغ لدين الله بحقه إلا بها ، بل لعلي لا أكون مجازفا إن قلت أن وسطية هذه الأمة و شهادتها على الأمم كلها (و كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا ) الآية- لا تتم على وجهها إلا بهذه النهضة المادية و التي هي – بقانون الأسباب و السنن – السبيل الواضح لبلاغ دين الله و إعلاء كلمته ، و من المقرر أن ترك الأسباب قدح في الشريعة، و قد عُلم لدى المهتمين بالنهضة من أئمة المسلمين و مصلحيهم و أفرادهم و طلائع صحوتهم عظم الفجوة الحضارية المادية بين المسلمين و بين غيرهم من أمم العالم قاطبة ، التي انتهت بنا إلى الإنفراد بتذيل قائمة أمم في الأرض و تحقق وضعية (القصعة) إزاء أكلتها كما أنبأنا الصادق المعصوم.
الثاني
الإشارة إلى كون مصطلح (النهضة الحضارية) للأمة من المصطلحات التي تعرضت للإختطاف [2] إذ أُخرجت عن سياقاتها الشرعية من قبل فريق من المنهزمين نفسيا أمام الحضارة الغربية استأثروا إلى حد بعيد بالمصطلح و قوّلبوه ليحمل معان محصلتها أن النهضة المنشودة إن هي إلا نسخ للتجربة الغربية و إستحضار لمعاركها الفكرية و مواقفها تجاه المطلق و النسبي .
و يعنينا في هذه الإشارة التنويه إلى أن المتوجه في حقنا هو أن لا نهجر أصل المصطلح الذي يمكن استخدامه كقالب لمعنى شرعي صحيح الأصل، بإبرازه في سياقه الصحيح المتسق مع المقصد الشرعي للدين الذي أنزل على محمد صلى الله عليه و سلم كما فهمه الصحب الأولون و من تبعهم من القرون الفاضلة لا المقصد الشرعي لمن يريد أن يلوي أعناق النصوص ليصنع من الإسلام صورة يُرضي بها أهواء الغرب.
ثم أختم المقدمة بتوضيح أنني لا أتوجه في هذه المقالات بحديثي إلى المختصين و المهتمين و العاملين بهذه الصناعة فقط و إنما إلى كل الصادقين من أبناء هذه الأمة الباقية إلى أن يرث الله الأرض من الدعاة و طلبة العلم و شباب المدارس و الجامعات و طلائع الصحوة المباركة ممن أرقهم الهم ّ النهضوي، و اغتموا لما رأوا خير أمة أخرجت للناس تستجدي لقمتها من سارق ثرواتها و تبحث عن أمنها في أكناف من استباح بيضتها ، و ترجو النصر على عتبات عدوها.
أتوجه إليهم و بغيتي خلق الوعي بأهمية الدور الذي من الممكن أن تلعبه صناعة البرمجيات في نهضة المسلمين، أتوجه إليهم طالبا تجاوز أزمة سوء تخصيص الموارد البشرية الذي عانت منه الصحوة الإسلامية سنين عددا، أتوجه إليهم آملا أن نتجاوز جميعا العقبة الفكرية و المنهجية الكؤود المتمثلة في الفصام بين العمل الدنيوي و الأخروي .
هؤلاء هم من يعنيني أمرهم و أتوجه إليهم بحديثي ، راجيا التوفيق من الله عز و جل ، ناسبا الفضل أولا و آخرا له وحده، سائلا إياه العفو عن الزلل و الخطأ و النسيان.
يتبع
[1] التفرقة بين الحضارة و المدنية مذهب كثير من الباحثين في شئون النهضة ، و مدار التفريق عندهم على نسبة الجوانب المادية الملموسة إلى مصطلح الحضارة ، و نسبة الجوانب المعنوية والأخلاقية إلى مصطلح المدنية
[2] هذا أمر قد تكرر حدوثه في بعض المصطلحات المتداولة و التي يمكن قبولها عند ردها إلى معانيها الشرعية – إذ لا مشاحة في الإصطلاح – كمصطلح (تجديد الخطاب الدعوي أو الديني)، و ليس هذا محل تفصيل أو تفنيد لهذا لخلط الحاصل.
في انتظار باقي أجزاء البحث
بارك الله فيك و نفع الله بك
الأستاذ الفاضل أبا أسامة
مرورك أسعدني ، و أعتذر لك على التأخر في الرد
ستتوالى باقي الحلقات تباعا إن شاء الله ، و اعذرني على البطء فلست من أهل الكتابة
شكر الله لك ، و أتمنى دوام المتابعة
الأخ العزيز مصطفي، ماأجمل الفكرة وما أجمل تناولك لها، وأرجو لك الاستمرار حتي يكون للمقال اصداؤه وتؤتي الفكرة ثمارها ان شاء الله تعالي.
عندي فقط بعض الملاحضات علي بعض الجمل ليس أكثر:
1-(إنما بعثت لأتمم الأخلاق) الحديث ——-إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق
2- و إن كنت أُدِينُ الله عز و جل أن السبيل إليها يكون في العودة إلى دين الله في الجملة، ——– لم أفهم معني:و إن كنت أُدِينُ الله عز و جل
3- قوّلبوه ليحمل معان محصلتها أن النهضة المنشودة —–اقترح استخدام كلمة اسهل من قوّلبوه
4- فهمه الصحب الأولون —-اقترح الصحب الأول أو الصحابه الأولوين
الأخ الحبيب عبد المنعم
زيارتك للمدونة أسعدتني، و تشجيعك لي شد من أزري، فجزاك الله خيرا كثيرا، و أعتذر لك على تأخري في الرد، بالنسبة لملاحظاتك الغالية فهاكم الرد عليها:
1- الحديث صح بلفظ (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق) كما في صحيح الجامع للألباني حديث رقم2349 ، و قد سقطت مني لفظة (صالح) أثناء الكتابة ، فجزاك الله خيرا على التنبيه
2-المقصود بلفظة (أدين- بفتح الهمزة- الله) أي أعتقد بيني و بين الله
3- قولبوه :يظهر لي أنها لفظة منحوتة (المقصود :جعلوه قالبا)،و لعل هناك ألفاظا أيسر منها كما ألمحتَ في ملاحظتك الكريمة؛ لكنها كانت هي المتبادرة إلى ذهني و أنا أكتب، و لعلي أتجنب ذلك في المرات القادمة إن شاء الله
4- لم أفهم ما هو وجه الخطأ النحوي في عبارة (الصحب الألون)؟
و جزاكم الله خيرا
بسم الله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه و سلم
افهم يا أخي هذا دائما
تبدأ مشكلة أمتنا – إلا ما رحم ربي – و تنتهي عند محور الاعتقاد
فلا حافز للعمل إلا العقيدة و المنهج
تأكد أنه لن يحصل أي إصلاح يذكر أو نهضة في أي قطاع في اقتصاديات المسلمين إلا بإصلاح اعتقادي شامل
و رجوع الأمة للأمر الأول
لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح أولها
و اعلم أن منهج أهل الحق أن الاعتقاد قبل القول و العمل
كل منهج الأنبياء بدأ بإصلاح العقيدة و المنهج
و النبي صلى الله عليه و سلم و صحبه الكرام لم يبدؤوا إلا بذلك و لما قدر الله لهم الأسباب أخذوا بها و استعانوا بالله
و انتصروا و إن كانت أسبابهم أقل من أعدائهم ليس كما قلت أن
(و كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا ) الآية- لا تتم على وجهها إلا بهذه النهضة المادية و التي هي – بقانون الأسباب و السنن – السبيل الواضح لبلاغ دين الله و إعلاء كلمته
و لكن كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله
و إن كان ترك الأسباب قدح في الشريعة
فإن تعليق القلوب و انتهائها عند الأسباب شرك أكبر – عافانا الله -
و لا تظن أن مثابرة طريق النهضة و مكابدة متاعب الإصلاح تكون على أسس رغبة في نهضة مادية و إنما في سبيل غاية عقائدية عظمى تريد الله جل و علا و اليوم الآخر حتى لو لم يكن هناك ثمار مادية في هذه الحياة الدنيا
إن مشكلة المسلمين ليست تأكيد نظرهم و ثقتهم بالمادة التي في أيديهم فإنهم يعرفون هذا جيدا و يلعنونه ليل نهار إلا ما رحم ربي و لا يحتاجون زيادة تأكيد
الكل يتكلم عن تخلفنا
الكل يعلم ضعفنا أمام أعدائنا
الكل يتكلم عن إصلاح الصناعة و النهوض بالتجارة
و لكن يظل الكلام كلاما و لن يعمل إلا من أخلص معتقده لله
النبي صلى الله عليه و سلم قد بين سبب الوهن و الضعف الذي اعترانا
و قال أن الوهن ، هو حب الدنيا و كراهية الموت
سبب وهن المسلمين الآن ليس هو جهلهم بفوائد تحصيل مادة الدنيا
بل على العكس هو تمكن حب الدنيا من قلوبهم و تحصيل مكاسبها السريعة إلا ما رحم ربي
و من يجيد حقا هو من يرشد المسلمين إلى طريق الإصلاح الحقيقي الذي فيه عزهم و كرامتهم و توفيقهم للأسباب الصحيحة
فإنه لم يذكر الحديد إلا بعد إنزال الكتاب
بالمناسبة أنا معك مئة بالمائة على أهمية قطاع صناعة البرمجيات كسبب في النهوض باقتصاديات المسلمين
خاصة و أني من العاملين في هذا المجال و أعلم ثروة هذا العلم العتيد و مدى تغلغله في كل قطاعات الصناعة و العلم و الاقتصاد
و لكني أرى أن نبدأ بنقطة غاية في الأهمية قبل تحفيز العمل
و هي لما نعمل
و بماذا نعتقد